دعاء المظلوم على الظالم: فضله وما يُقال فيه
فضل دعاء المظلوم وأنه ليس بينه وبين الله حجاب، وما يقوله من ظُلم من القرآن والسنة، وحكم الدعاء على الظالم، وفضل العفو.
الظلم مرّ، وأمرّ منه أن يعجز المظلوم عن أخذ حقه. لكن الله جعل للمظلوم سلاحاً لا يُردّ: دعوة ليس بينها وبين الله حجاب. في هذا المقال نبيّن فضل دعاء المظلوم، وما يقوله من ظُلم من القرآن والسنة الصحيحة، وحكم الدعاء على الظالم، ورسالة لكل من ظلم غيره.
دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب
لما بعث النبي ﷺ معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن أوصاه:
«وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»
«ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ»
بل تُستجاب دعوة المظلوم ولو كان عاصياً، قال ﷺ: «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا، فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ» (رواه أحمد، وحسّنه الألباني).
دعاء المظلوم من القرآن الكريم
دعاء نوح عليه السلام بعد أن كذّبه قومه وآذوه:
﴿ فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ ﴾
وكلمة مؤمن آل فرعون حين تآمروا عليه، فوقاه الله سيئات ما مكروا:
﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ﴾
دعاء المظلوم من السنة
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قيل له: إن الناس قد جمعوا لكم — رواه البخاري
اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ
كان النبي ﷺ يقوله إذا خاف قوماً — رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني
اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ
دعاء الغلام في قصة أصحاب الأخدود — رواه مسلم
وتجد المزيد في دعاء الخوف من شخص أو ظالم.
هل يجوز الدعاء على الظالم؟
نعم، يجوز للمظلوم أن يدعو على من ظلمه بقدر مظلمته:
﴿ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾
وقد دعا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه على رجل كذب عليه فاستُجيب له (رواه البخاري)، ودعا سعيد بن زيد رضي الله عنه على امرأة ادّعت عليه أرضاً ظلماً فاستُجيب له (متفق عليه).
لكن لذلك آداب:
- لا تتعدَّ في الدعاء: ادعُ على الظالم نفسه بقدر ظلمه، لا على أولاده وأهله الذين لا ذنب لهم.
- الأكمل أن تفوّض أمرك إلى الله فتقول: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وتدع له اختيار ما يكون.
- يجوز أن تدعو له بالهداية وأن يردّ الله حقك، وهذا من مكارم الأخلاق.
العفو أفضل لمن قدر عليه
﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ﴾
العفو ليس ضعفاً ولا يسقط حقك في المطالبة بما أُخذ منك، وإنما هو أن تترك الانتقام لله، فيرفعك الله به: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» (رواه مسلم). وأنت مخيّر: إن شئت عفوت وأجرك على الله، وإن شئت طالبت بحقك، ولا إثم عليك.
الله لا يغفل عن الظالمين
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ ﴾
«إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»
فإن تأخّر نصرك فليس نسياناً، وإنما إمهال لحكمة، وما ضاع حق عند الله.
ماذا تفعل إذا ظُلمت؟
- اصبر ولا تجزع، ولا تدع الظلم يدفعك إلى معصية أو ظلم مقابل.
- طالب بحقك بالطرق المشروعة: النصيحة، ثم أهل الإصلاح، ثم القضاء.
- ادعُ في أوقات الإجابة وأنت موقن، وتجدها في أوقات استجابة الدعاء.
- لا تجعل الظلم يسكن قلبك: الحقد يؤذيك أنت قبل ظالمك. وتجد ما يعينك في دعاء الهم والحزن ودعاء الغضب.
رسالة إلى من ظلم غيره
«اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (رواه مسلم). والمفلس يوم القيامة من يأتي بصلاة وصيام وزكاة، وقد شتم هذا وأكل مال هذا وضرب هذا، فتؤخذ حسناته لهم (رواه مسلم). فبادر اليوم:
«مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ»
وباب التوبة مفتوح، وشرطها هنا ردّ الحق إلى صاحبه. انظر دعاء التوبة وشروطها.
أسئلة شائعة
ما هو دعاء المظلوم على الظالم؟
«حسبنا الله ونعم الوكيل»، و«اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم»، و«اللهم اكفنيهم بما شئت»، ومن القرآن: ﴿أني مغلوب فانتصر﴾.
هل دعوة المظلوم مستجابة ولو بعد حين؟
نعم، دعوة المظلوم لا تُردّ، وقد يعجّل الله إجابتها أو يؤخّرها لحكمة يعلمها، فلا تستعجل.
هل أأثم إذا دعوت على من ظلمني؟
لا إثم عليك إن دعوت عليه بقدر مظلمته دون تعدٍّ، والعفو أفضل وأعظم أجراً.
هل تُستجاب دعوة المظلوم غير المسلم؟
نعم، فقد جاء في الحديث: «اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجاب» (رواه أحمد، وحسّنه الألباني). فالظلم محرّم مع كل أحد.
خاتمة
إن ظُلمت فلست وحدك، فمعك من لا يُظلم عنده أحد. قل «حسبي الله ونعم الوكيل» وأنت موقن، وخذ بأسباب استرداد حقك، واترك قلبك نظيفاً من الحقد. وإن كنت ظالماً فاتقِ دعوة تصعد في جوف الليل وأنت نائم، وردّ الحقوق قبل يوم لا دينار فيه ولا درهم.


