الأجزاء الثلاثون

فضل الاستغفار وسيد الاستغفار مكتوباً

فضل الاستغفار في القرآن والسنة وثمراته في الرزق والبركة، وسيد الاستغفار مكتوباً مع معناه، وأفضل صيغ الاستغفار وأوقاته كالاستغفار بالأسحار.

فضل الاستغفار — وسيد الاستغفار مكتوباً

كلنا نخطئ ونقصّر، لكن الله فتح لنا باباً لا يُغلق: باب الاستغفار. كلمة يسيرة يقولها اللسان، لكن أثرها يمتدّ إلى القلب والرزق والحياة كلها. كان النبي ﷺ -وقد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر- يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة. في هذا المقال نتعرّف على فضل الاستغفار في القرآن والسنة، وسيد الاستغفار مكتوباً، وأفضل صيغ الاستغفار وأوقاته.

فضل الاستغفار في القرآن الكريم

ذكر الله تعالى على لسان نوح عليه السلام ثمرات الاستغفار في الدنيا قبل الآخرة:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ﴾

سورة نوح — الآيات ١٠–١٢

فالاستغفار سبب لنزول المطر، والبركة في المال، ورزق الذرية، وخصب الأرض. وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فالاستغفار أمان من العذاب.

سيد الاستغفار مكتوباً

قال النبي ﷺ: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ:

اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ

رواه البخاري

قال ﷺ: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».

لماذا سُمّي سيد الاستغفار؟

لأنه جمع معاني التوبة كلها: الإقرار بربوبية الله وتوحيده، والاعتراف بالعبودية، والوفاء بالعهد قدر الاستطاعة، والاستعاذة من شر الذنوب، والاعتراف بالنعمة (أبوء لك بنعمتك)، والاعتراف بالذنب (وأبوء بذنبي)، ثم طلب المغفرة ممن لا يغفر الذنوب سواه.

فائدة: سيد الاستغفار من أذكار الصباح وأذكار المساء، فاحرص عليه مرة في الصباح ومرة في المساء بيقين وحضور قلب.

فضل الاستغفار في السنة النبوية

  • هدي النبي ﷺ: قال: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (رواه البخاري).
  • مائة مرة في اليوم: قال ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (رواه مسلم).
  • بشرى لصاحبه: قال ﷺ: «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).

صيغ الاستغفار الواردة

أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ

  • «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»: كان الصحابة يعدّون للنبي ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة يقولها (رواه أبو داود وصححه الألباني).
  • «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» ثلاثاً بعد كل صلاة: كما في صحيح مسلم، ثم يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام…». انظر أذكار بعد السلام.
  • دعاء أبي بكر الصديق في الصلاة: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (متفق عليه).

أفضل أوقات الاستغفار

الاستغفار بالأسحار

مدح الله المستغفرين في وقت السحر فقال: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقال: ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: ١٨]. والسَّحَر هو آخر الليل قبيل الفجر، وهو وقت نزول الله إلى السماء الدنيا كما بيّنا في أوقات استجابة الدعاء.

بعد الصلوات وفي المجالس

بعد كل صلاة مفروضة، وفي ختام المجالس بكفارة المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».

بعد الذنب مباشرة

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. فلا تؤخّر الاستغفار، بل بادر به فور الخطأ.

ثمرات الاستغفار في حياتك

  1. مغفرة الذنوب ومحو السيئات.
  2. سعة الرزق والبركة في المال والولد.
  3. تفريج الهموم وانشراح الصدر، وقد فصّلنا ذلك في دعاء الهم والحزن والكرب.
  4. القوة في البدن: ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ ﴾ [هود: ٥٢].
  5. الأمان من العذاب والبلاء.

أسئلة شائعة

هل للاستغفار عدد محدد مثل ١٠٠ أو ١٠٠٠ مرة؟

ورد عن النبي ﷺ أنه كان يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة، وأنه كان يتوب إلى الله مائة مرة. وما زاد على ذلك فهو خير، دون اعتقاد فضل خاص لعدد لم يرد به دليل.

هل يجوز الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات؟

نعم، بل هو مشروع، قال تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [محمد: ١٩].

خاتمة

الاستغفار ليس كلمة تُقال عند الذنب فقط، بل منهج حياة: يطهّر القلب، ويفتح أبواب الرزق، ويقرّب العبد من ربه. فاجعل لسانك رطباً به، واستعن بـعدّاد التسبيح لتحافظ على وِردك اليومي. أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.

كل المقالات
dikr

التطبيق المجاني

جرّب تطبيق ذِكر

أذكار، أدعية، قرآن كريم، أوقات صلاة — كل ما تحتاجه في مكان واحد